عن جمال الدين الأ?غاني

( من كتاب : ودخلت الخيل الأزهر/ محمد جلال كشك /ط3/1990/ الزهراء للإعلام العربي /497-508)

لماذا الأ?غاني ؟

عندما قامت  الثورة الايرانيه ،وكنا أول من رحب بها ، وبشر بالآمال  التي ?جرتها ، كنا نجلس مع عدد من نخبة المثق?ين العرب ..ودار حديث سني وشيعي ، والاحتمالات الممكنة لهذا النصر “الشيعي”كما كان البعض يسميه أو النصر الإسلامي كما كان الجميع يجتمعون يتمنون ..وطرحت أنا علي المجتمعين سؤالا بدا غريبا ، وهو .. هل كان جمال الدين الأ?غاني سنيا أم من الشيعة؟!  
و?شلنا جميعا  ?ي الإجابة علي السؤال .. لأنه بمنطقنا المعاصر يستحيل ا?تراض أنه كان شيعيا ثم ينال هذه المكانة العالية بين المثق?ين ?ي تركيا ومصر وأ?غانستان حيث الأغلبية الساحقة أو حتى الجميع من السنة .. كي? لم يقل له  أحد .. ما دخلك بنا يا شيعي ؟..كي? لم تستخدم السلطات السنية التي كان يحاربها  ويدعو للقضاء عليها ..كي? لم تستخدم مذهبه الشيعي ،?ي التحريض عليه ، واتهامه بأنه را?ضي نصيري ..إلي آخر ما تعودنا نحن استخدامه ضد المخال?ين لنا ?ي الرأي أو المصالح ؟!

وإن كان سنيا ?يك? استطاع أن يقود حربا ضد شاه إيران ?ي معقل الشيعة ،وبعد ما يزيد علي القرن لا نجد سنيا واحدا بارزا ?ي قيادة الثورة الإيرانية،ولا ?ي حركة أمل ؟!ولا أظن أو أدعي أن الوضع أ?ضل ?ي تشكيلات المسلمين السنة..

وهل يعقل أن يستطيع الرجل التغرير بالمسلمين من كابول ودلهي إلي اسطمبول ، ?يدعي بين أهل السنة ،ويطالب بخلا?ة آل البيت إذا ما انتقل للعمل بين الشيعة؟!
مستحيل ..وإزاء الحقيقة الواضحة ، وهي نجاح الأ?غاني ?ي كسب الجماهير :السنة والشيعة ،وتزعم المثق?ين ،و?ي مقدمتهم العلماء ?ي بلاد الشيعة والسنة معا.. ليس أمامنا إلا ا?تراضان : الت?رقة بين سني وشيعي ، ظاهرة حديثة لم تكن ?ي عصر الأ?غاني ،ولا عاني هو منها ولا جماهير عصره ،وأن الإحساس بالتميز ، حتى لا نقول الن?ور أو العداء ، هو ظاهرة حديثة ، نشأت علي الأرجح خلال سنوات الاحتلال والسيطرة الغربية ،التي كان من الطبيعي ان تبحث  عن كل ما ي?رق الجماهير ،لتسهل السيطرة عليها .. ?الجماهير لم  تكن طائ?ية ، إلا بعد أن جاء الاستعمار ، وربط الطائ?ة ، بالمصالح ، وأعاد إحياء الخلا?ات.

أما قبل ذلك ?إن المثق?ين والعلماء المسلمين ،لم ينظروا للخلا? الشيعي والسني إلا كخلا? أكاديمي تاريخي ، لا يتعدى حلقات ال?قه والدراسات الت?صيلية . وعبر التاريخ لم يكن هذا الخلا? بارزا وحادا إلا ?ي دوائر السلطة ، و?ي الصراع حول هذه السلطة .. و?ي حالة مصر ?إن عددا من المثق?ين ولا نقول الجماهير ، لم ينتبهوا لحقيقة أنهم  من السنة إلا بعد الثورة الإيرانية والحديث عن الشيعة!

ولكن الإشادة بموق?  الجماهير ?ي عصر الأ?غاني  ليس منص?ا ، ولا يقرر كل الحقيقة ، ?لا بد أن الرجل قد استطاع أن  يسمو بصيغة ما ?وق هذه التسميات ، بل إنه أول آخر زعيم إسلامي استطاع  أن يستثير ، أن ينظم ، أن يستعين بعناصر غير  إسلامية . ?كان معه مسيحيون يل ويهودي مصري شهير .. ولا أظن أننا ننص? الرجل لو قلنا إنه كان متسامحا أو غير متعصب .. بل كان أكبر من ذلك.

ولو كنا ممن يجنحون للمبالغة لقلنا إنه من أولياء الله الصالحين ، بدليل أن الله قد سلط علية الدكتور إياه” بتاع الجنرال يعقوب ومطلق الأنثى ” ( يقصد لويس عوض ) ?قد كان هجوم هذا الدكتور علي الأ?غاني ومحاولته إثارة الشك حول دوا?ع السيد جمال الدين الأ?غاني ، سببا لا ?ي مجرد وق? الحملة الإسلامية علي الأ?غاني  ، بل ?ي غضبة شاملة انبري ?ي ظلها عدد من المثق?ين علي اختلا? ميولهم للد?اع عن الأ?غاني والتحمس له ، وقبل حملة الدكتور كانت هناك محاولات من إسلاميين ” منبتين ” للنيل من الرجل وترديد ن?س ما قاله الدكتور إياه .. ولو سكت هذا الدكتور لربما كان الضرر أ?دح ، والنيل  من سمعة ونزاهة بل وإخلاص الأ?غاني أسهل وأكثر قبولا . ولكن كرامة الرجل ، أو قل عدالة التاريخ ،وقوة الحق ، سخرت هذا المشكوك ?ي عروبته المقطوع بعداوته للإسلام ليهاجمه،?غضب له مائة أل? مثق? لا يسألون السبب!..

وقد يبدو غريبا أن يت?ق ?ريق من المنبتين لاشك ?ي إخلاصهم مع هذا  الطائ?ي  الشعوبي ?ي مهاجمة الأ?غاني ، و?ي هذا الوقت بالذات ، الذي ت?تك ?يه الطائ?ية بالأمة العربية ، بل توشك نارها أن تمتد ?تنال بشرها الأمة الإسلامية ..

ومن ثم ?لا غرابة ?ي أن نتطلع نحن لهذا الذي استطاع منذ أكثر من مائة سنة  أن يجعل العالم الإسلامي ميدان عمله السياسي ، ?يقود الإيراني والأ?غاني والهندي المسلم والمجوسي والتركي ، ويوحد العربي والمسلم والمسيحي ، بل اليهودي العربي - قبل ظهور إسرائيل بالطبع ،وقبل سيطرة ال?كر الصهيوني ،بل حتي قبل ظهور الصهيونية السياسية -

ما هي معجزة الرجل ..التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضي ، بل التي تبدو أنها الحل الوحيد لأزمتنا، ع?وا ، بل للكارثة التي تهدد بإبادتنا كأمة و زوالنا كحضارة ..؟!

الإجابة عن كل هذه الأسئلة , يتضمنها تحليل ال?كر الذي طرحه الرجل ، لا باستعراض أعماله الكاملة ، بل أقصد الصيغة  التي طرح بها الأ?غاني الإسلام ، والتي ضلت عنها كل الحركات الإسلامية والتحررية التي جاءت من بعده ، ?الرجل وإن يكن قد نال مكانة عظيمة بين معاصريه ، واحتل مركزا خالدا ?ي التاريخ ، ?إن تلاميذه لم ي?هموا  جوهر الصيغة التي طرحها عن الإسلام المطلوب لتحرير هذه الأمم التي عناه مصيرها ، وت?رغ لحياتها .

لقد كان جمال الدين الأ?غاني أول من طرح صيغة الإسلام الحضاري .. الإسلام السياسي، الإسلام الجغرا?ي ، وربما كان هذا ال?هم موجودا بصيغة غامضة ?ي ت?كير وأدبيات الحزب الوطني وبالذات ?يما بعد مصط?ي كامل ، وأيضا ?ي عدد من رجال  الثورة الجزائرية ..  ثم اندثر تماما أو قل وئدت ال?كرة والصيغة علي يد القوميين العرب ، سواء الذين ر?عوا راية العروبة لمحاربة الإسلام ?ي أواخر الدولة العثمانية والي ?تنة لبنان أو ” المخلصون ” الذين أرادوا حركة قومية علي الطراز الأوروبي ، أو بالأحري ما ?هموه  من هذا الطراز .. وأيضا  انهارت الصيغة علي يد الحركات الإسلامية  من باكستان إلي العالم العربي ، الذين طرحوا الصيغة الدينية ، وتصوروا أن?سهم دعاة جددا ” للدين ” الإسلامي .. ومن هنا كان التقاء الجانب الأكثر تطر?ا من الحركة الإسلامية ، مع أعداء الإسلام والعروبة ?ي ر?ض الأ?غاني والحملة عليه ..

?ما هي صيغة الأ?غاني  أو ما هي صيغة الإسلام الحضاري التي نعتقد أننا بحاجة إليها، ونعتقد أنها تك?ل حل مشاكلنا..؟

كان الأ?غاني يؤمن بالمواجهة الحضارية بين الشرق والغرب ،  تلك المواجهة التي بدأت بحرب الإغريق  ضد ال?رس ، وانتهت هذه الجولة بانتصار الإغريق ثم الرومان ، وخضوع الشرق للغرب إلى أن جاءت أول وآخر موجة شرقية منتصرة وهي العرب المسلمون ثم الترك ، وما تخلل ذلك من كر و?ر ، وامتداد وانحسار .. ليعود الغرب ?ي هجمته التي بدأت بسقوط الأندلس ، وتحول مجرى التاريخ ، الذي مازال مستمرا لمصلحة الغرب إلى يومنا هذا .. ولا حاجة أو قل لا مكان للت?صيلات ..

المهم أنه خلال هذه المواجهة ، تحددت ملامح الشرق ?ي الحضارة الإسلامية ، ليس ?قط لأن المسلمين أصبحوا يمثلون أكبر نسبة متجانسة بين شعوب الشرق المواجهة لأوروبا ( لم تكن الصين ولا اليابان جزءا من هذا الشرق حضاريا ولا حتى ?ي قرون المواجهة من عصر الإغريق إلى القرن التاسع عشر ) .. ولا لأن الدول الإسلامية أصبحت هي الثغور والطلائع والمتصدية باسم الشرق الآسيوي الإ?ريقي .. بل أيضا لأن الحضارة الإسلامية كانت القاسم المشترك والمميز بين شعوب هذه الدول ، بل تكاد تكون حضارتهم الوحيدة ، ولأن الإسلام عبر عن مقاومة هذه الشعوب المنتصرة أو المتراجعة ضد الهيمنة الغربية ، هو وحده الذي حقق الانتصار الوحيد للشرق على الغرب .

 ولأن الإسلام ب?لس?ته القائمة على قبول التعدد ، وحماية هذا التعدد قد حمى الجماعات والأديان والطوائ? والعناصر والقوميات التي ?ي الشرق ، والتي كانت تواجه خطر الإبادة ?ي ظل ” الهيمنة ” الغربية ، التي تر?ض هذا التعدد وتر?ض هذه المخال?ة ، حتى اصبح هذا التعدد خاصية تميز الحضارة الشرقية ، حيث ولد مبدأ التعايش ، وتمت ممارسته وازدهارها كما لم يحدث ?ي أي حضارة أخرى . ?الحضارة الإسلامية أبقت على تعدد القوميات ، ??يها ال?رس والهنود والأتراك والبربر والزنج … إلخ كما أبقت الكنائس والأديان ، بل ليس جديدا القول بأن كل كنائس الشرق ما كانت لتبقى إلى اليوم وتنجو من الإبادة والذوبان لولا انتصار الحضارة الإسلامية ، وقد مللنا ومل الناس إعادة تكرار هذه الحقيقة ، وهي أن جميع كنائس الوطن العربي كانت ?ي حالة ثورة ، مطاردة ، هاربة أو معتصمة بالجبال والصحراوات عشية ال?تح العربي – الإسلامي .. و?ي بلد مثل الهند ، لم يشهد تاريخها تعايشا بين طوائ?ها التي يصعب حصرها ، إلا ?ي ظل الحكم الإسلامي .. وهاهي ?ي ظل الديمقراطية تزاحم لبنان ?ي المذابح والخلا?ات الطائ?ية ، وإصرار الهندوس على ?رض سيادة عنصرهم ، وتشبث غيرهم بالتميز والمخال?ة والان?صال ..

ومن هنا أصبحت هذه القوميات وهذه الطوائ? منتمية تاريخيا و?كريا وحضاريا ومصلحيا للحضارة الإسلامية الشرقية ، وأصبح يستحيل التمييز بين هذه الطوائ? والأديان والمذاهب والقوميات ?ي المواجهة الحضارية مع الغرب الاستعماري ، ?هي ليست مسألة دينية ، وإن كان الدين قد أصبح روح المقاومة والصيغة الظاهرة ، سواء أكان الدين الإسلامي أو شتى الكنائس المر?وضة من حضارة وكنائس الغرب الأوروبي والأمريكي ، الذي تبشر كنائسه بين المسيحيين العرب قبل المسلمين ، بل وبإصرار أكثر ونجاح أكبر من نجاحها ?ي أوساط المسلمين ..

هذا التصور للانتماء الحضاري والقيادات الوطنية والدينية تحسه وتمارسه دون تنظير ، وهذا ما حكم موق?ها من ال?تح العربي إذ رحبت به ، وجعلت سقوط الامبراطورية ال?ارسية سهلا إلى حد مذهل ، أما الأكثر ذهولا لمن ير?ض ت?سيرنا للمواجهة الحضارية ?هو السرعة التي تم بها اندماج ?ارس ?ي الحضارة الإسلامية ، بل وحمل ال?رس مشعل هذه الحضارة ، وتصديهم لنشرها شرقا ، والتعبير عن ت?وقها العلمي وال?ني والأدبي .. ذلك أن القومية ال?ارسية التي حملت عبء الد?اع عن الشرق ، و?شلت – وجدت ?ي الإسلام التعبير الحقيقي عن روحها وحضارتها ، وكيانها ، ?اندمجت ?يه وأوغلت بر?ق وأحيانا بعن? ..

وكما كان انهزام الوجود البيزنطي ?ي بلاد شاسعة المساحة ضخمة الإمكانات ، سهلا ومثيرا ، بسبب عواط? السكان غير المسلمين وقتها ، وإحساسهم بأن ال?تح العربي هو التحرير .. بينما صمدت القسطنطينية وهي مجرد مدينة خل?ها امتدادات بربرية بلا حضارة ، صمدت ما يقرب من ثمانية قرون لأنها لم تكن عربية ولا من الشرق ولا اعتبرها المشارقة من جغرا?يتهم أو ترابهم أو حضارتهم . بل عندما دخلها العثمانيون أخيرا سماهم العرب ” الروم ” .. ?قد اصبحوا ?ي نظرهم امتدادا للروم الذين ارتبطت المدينة بهم ..!

كذلك تجلى هذا الحس ?ي موق? القوى غير الإسلامية من الحروب الصليبية ، التي جاءت باسم المسيحية وضد الإسلام والمسلمين ، وتحت شعار تخليص بيت المقدس من الك?ار وتحرير قبر المسيح .. إلخ .. وكلها شعارات تبدو متلاقية مع ?كر الكنائس العربية ، ولكنها لم تصاد? أي استجابة يعول عليها لدى غالبية المسيحيين .. وإذا كان البعض يصر على اتهام ?ئات بالاستجابة للإغراء الذي طرحه القادمون من أوروبا لإبادة المسلمين ، ?إن هذه ال?ئات قد أصبحت من يومها تشعر بالغربة وسط المحيط العربي أو الشرقي ، وتحاول بكل جهد إثبات انتمائها للحضارة الأخرى عبر البحر الأبيض ..

ازدهرت وتألقت كل الأقليات ، وساهمت ?ي البناء الحضاري للإسلام ، على نحو لم يسبق له مثيل ولم يتكرر إلا ?ي القرنين الأخيرين ?ي أمريكا بالذات التي هي تجمع أقليات .. وكان الانتماء واضحا حتى ?ي الأسماء العربية التي امتدت من ال?لبين إلى جنوب ?رنسا بين شعوب ليس ?ي لغتها حتى الحرو? العربية كلها ، ورغم ذلك حرص التركي والعجمي والزنجي على نسبة أولاده ” هسن ” أو ” أوثمان ” وأصبح اليهودي اسمه ” ميمون ” وأبو لا?يه ” وت?قه ?ي علوم اللغة وحسبك ” سيبويه ” مؤسس علم النحو ووعظ البطاركة بالعربية وترجموا إليها الأناجيل ، ( ?ي أسبانيا الكاثوليكية ر?ضت الكنيسة المنتصرة ?ي القرن الخامس عشر ترجمة الإنجيل إلى العربية لأنها ” لغة نجاسة ” … ) ولكن قساوسة الشرق ت?قهوا ?ي أصول الدين الإسلامي وحملوا الأسماء العربية ، ويك?ي تأمل تطور الأسماء خلال مائة سنة الأخيرة بين الأجداد أو حتى الآباء والأبناء ، وكي? أصبح مايكل ابن أبو جودة ، وولد الإمام ” مالك ” ابنا اسمه شارل .. وكذلك الحلو بيك ولد شارل وحبيقة ولد إيللي .. ولا عجب ?انتصار الحضارة العربية جعل أهم قديسة ?ي إسبانيا المسيحية اسمها ” ?اطمة ” أو ” سانت ?اتيما ” بينما ح?يد الشيخ القيسوني أصبح ” ليدو ” وداود صار دي?يد وميخائيل أصبح ميشيل ثم ما يكل ..

وهذا كله من مظاهر الإحساس بالانتماء الحضاري ، ولكن ?ي الاتجاه المضاد ، وهو ما جعل بعض القوى تدرس للطلبة ?ي مدارسها أن ريتشارد قلب السد هو البطل التاريخي وليس صلاح الدين ?ي ن?س الوقت الذي كان قادة العروبة المعادية للإسلام يسمون أولادهم ” لهبا ” حتى يصبح اسم الأب ( أبو لهب ) إحياء لذكرى أبي لهب ، وهم الذين قالوا : أبو جهل وأبو لهب أقرب إلينا من سلمان ال?ارسي وهم جميعا يعبرون عن ر?ض الانتماء الحضاري ، ر?ض الواقع والتاريخ مهما تعللوا ?لو انتصر ريتشارد قلب الأسد ولو انتصر أبو لهب على سلمان ال?ارسي لما كنا عربا ولا كنا أ?ضل من سكان مالطا أو أنغولا أو ال?لبينيين ?ي أ?ضل تقدير .. ?من ينتمي للشرق ، للعروبة لابد أن يشعر بالامتنان للذين أورثوه هذه الهوية .. سلمان وصلاح الدين وأباء الكنائس الشرقية التي ?تحت قلبها للشقيق المسلم الذي جاء بالتحرير من حكم بيزنطة ودا?ع عنها ومعها ضد غزو أوروبا ?ي القرون الوسطى و?ي العصر الحديث ..

قلنا إن السيد جمال الدين الأ?غاني كان أول م?كر إسلامي ?ي العصر الحديث وعى طبيعة المواجهة الحضارية بين الشرق والغرب ، ?اعتبر الشرق كله بلا تمييز ميدان عمله ، وحدد رسالته بإيقاظ وتوعية شعوب هذا الشرق لتحريرها أو لتصعيد مقاومتها ضد الزح? الاستعماري الأوروبي .. لم ي?رق ?ي ذلك بين العربي أو ال?ارسي أو الهندي ، ولا ?رق بين المسلم والمسيحي ، أو عابد البقر ?ي الهند ، ?كلهم ?ي الهم شرق ، وكلهم ?ي زورق واحد ضد الاستعمار الغربي .. وما كان لقائد ?ي مثل شموخ ?كرته ونضج نظرته العالمية أن ي?رق بين شيعي وسني … إلخ ..

وقد نجح الأ?غاني ?ي التوصل إلى هذه الصيغة المت?وقة لأنه لم يحاول إنشاء حركة دينية ، أو إن شئت لقد توصل من هذا الوعي بالمجابهة الحضارية إلى خطأ البدء أو الانحصار ?ي حركة دينية ?الأ?غاني وحده يمكن وص?ه بأنه اهتم وجاهد ?ي كل القضايا الإسلامية التي عاصرها وترك بصماته على حركة البعث الإسلامي إلى يومنت هذا ، ومع ذلك ?لا ادعى الإمامة ولا سماه أحد بالإمام ، ولم ينظر المعاصرون ولا التابعون للأ?غاني كزعيم ديني أو ?قهي وليس له ?توى واحدة مشهورة ، وإن كان أحد تلاميذه ( يقصد الشيخ محمد عبده ) قد تخصص ?ي الإ?تاء وأصبح هو المقصود لو قيل ” الم?تي ” أو ” الإمام ” بدون تعري? .. ولا يعر? له رأي ?ي قضية الإمامة ولا بيعة السقي?ة ، بل يروى أنه ر?ض إغراء محاولة إدخال اليابانيين ?ي الإسلام معتقدا أن مهمة المسلمين التي تستغرق جهدهم هي حماية ما بقي وتحرير ما سقط ، ?اليابان كانت تبحث عن حل حضاري وليس عن حل منطقي أو شرعي ، ولم تكن حضارة المسلمين المهزومين تغري أمة صاعدة بعكس ما يحاوله الم?لسون اليوم لنشر الإسلام ?ي الهنود الحمر المنقرضين .

الأ?غاني لم يطرح الصيغة الدينية لتحرير الشرق ، وإن كان قد رأى و روج أن هذا التحرير ?ريضة دينية على المسلم ووطنية على جماعات الشرق غير المسلمة ، بل مسألة كرامة ، وتأمل قوله للهنود : لو كنتم مائة مليون ذبابة لأزعجتم الإنجليز بطنينكم أو لو كنتم مائة مليون سلح?اة لسبحتم إلى الجزر البريطانية وأغرقتموها ?ي البحر ، ?هو لم يحصر جهده ?ي المسلمين الهنود ، ولا حاول ?رزهم .. ثم انظر إلى رأيه ?ي الثورة السودانية ، ?هو بالطبع لم يصدق ادعاء زعيم الثورة أنه المهدي المتظر ، ولكنه رد ?ي العروة الوثقى على سؤال قارئ حول مهدية ” محمد أحمد ” برأي يثير ?زع الحركات الدينية اليوم ، ويعطي مادة للراغبين ?ي التشكيك ?ي إيمانه ، إذ قال : حتى لو ثبت كذب الرجل وبطلان ادعائه المهدية ?يجب تأييده ، وهذا على أساس أن الطاقة الإيمانية التي ي?جرها الاعتقاد بمهديته ولو خطأ تضي? إلى ك?ة الحركة الوطنية ?ي صدامها مع الاستعمار ما يرجحأو حتى ين?ي الحاجة إلى الجدال حول صدق الادعاء من كذبه .

وهل كانت ” جان دارك ” ?علا تكلمها الملائكة ؟؟ .. ولماذا انحازت السماء إلى ال?رنسيين ضد الإنجليز وكلهم من دين واحد ؟ ولكن قناعة ال?لاحين ال?رنسيين بأن جان دارك هي المهدي المنتظر أعطتهم ن?س القوة التي ?جرها الإمام بالمهدي ?ي السودانيين ، ?الوطني ال?رنسي هو الذي روج خرا?ة جان دارك ..

الأ?غاني كان ?ي حرب شاملة ضد الأجنبي العدو ، يحاول تجميع كل طاقات الشرق للمقاومة ، ?هو مع خرا?ة المهدي ?ي السودان ، مع آيات الله ?ي إيران من أجل استصدار ?توى شرعية بتحريم الدخان ، ولو حتى على أساس أنه من بول إبليس كما كان المتدينون الطيبون يقولون بعد الأ?غاني بنص? قرن ، مع الحركة الدستورية على الطراز البرلماني الأوروبي ?ي مصر ، مع نموذج بطرس الأكبر ومحمد علي ?ي تركيا .. وهذه الحركة السياسية التي أرادها الأ?غاني تنطلق بالطبع من خل?ية إسلامية ، وتعتمد على الوعي والإيمان الإسلاميين ?ى انطلاقها ونموها وانتصاراتها ، وهي بدورها كان ي?ترض أن تؤدي إلى حركة بعث إسلامي ، وقد أدت ?علا ، ولكن ?ي إطار محدود ، وصيغة خاصة ، إلا أنه لا يمكن لمؤرخ أن يغ?ل تأثير حركة الأ?غاني على الم?اهيم والممارسات والتطورات للحركة الإسلامية من الجزائر إلى باكستان .. وإن صح وص? هذا التطور بأنه نهضة أو بعث ، ?ال?ضل الأكبر ?يه يرجع للأ?غاني ..

وقد انقسم تلاميذ الأ?غاني من بعده ، ومضوا ?ي دروب عديدة ، وأستطيع القول إن الحركة الوطنية ?ي الجزائر هي وحدها التي ?همت وتبنت الإسلام الحضاري ، ?لم تكن الثورة الجزائرية بقيادة حركة دينية ، وإن تكن أنقى وأنجح ثورة إسلامية أو أكبر نصر إسلامي منذ ?تح القسطنطينية أو سقوط الأندلس .. وبعض قادتها ت?قهوا ?ي الدين بعدما نجحت الثورة وخلعوا من الحكم . ولا أنسى صدق وطهارة المرحوم ” قايد أحمد ” عندما كنت أحدثه عن آمال المسلمين ?ي مساهمة قيادة الثورة الجزائرية ?ي تقديم طرح جديد لل?كر الإسلامي .. ?رد صارخا : ” أنا ؟ أنا قرأت القرآن بال?رنسية ” !

كذلك يمكن القول أن الثورة الإيرانية حركة سياسية ، ?لم يقدها حزب ديني وإن اعتمدت على الجماهير المسلمة ، وعلى نمو الإحساس بالمواجهة الحضارية وسياسة تحدي الإسلام التي سار عليها الشاه ، وإن سلمت الحكم لرجال الدين باعتبارهم القيادة الوحيدة الموثوق بـ ” إسلامها ” من الجماهير .. ولكنها لم تكن حركة دينية .. بينما كانت باكستان ولا تزال هي صيغة طرحتها حركات دينية ، عزلت المسلمين الهنود ، واعتبرت أن لهم مصيرا يختل? عن مصير الهند ، وأن هد?هم هو إقامة الدولة الإسلامية ، ون?س الشئ عن الحركة الإسلامية ?ي المشرق العربي ، ?قد بدأت حركة ” دينية ” وتحت اسم خاص هو ” الإخوان المسلمون ” .. بينما لا نجد مثل هذا الاسم ?ي الثورة الإيرانية أو الجزائرية أو الأحزاب التي حققت الاستقلال ?ي المغرب .. رغم وجود إسلاميين بارزين ?ي القيادة ..

هذه الحركات ” الدينية ” ?رزت المسلمين وحدهم ، ?أصبحت قضيتها قضية المسلمين ، ثم ?رزت ” المؤمنين ” من بين المسلمين واستبعدت من لا يؤمن لا أقول ببرنامجها ، ?كلها لم يكن لها ولا تزال بدون برنامج معاصر ، اكت?اء بتمتعها بسيد البرامج الصالح لكل زمان ومكان .. وهذه مغالطة بالطبع ، لأن من علائم الصلاحية ودلائل الدوام هو القدرة على استنباط البرنامج ?ي كل زمان وباختلا? المكان ..

المهم أن هذه الحركات استبعدت المخال?ين لمسلكيتها ، ?من لا يطلق لحيته أو يصلي السنة أو لا يقصر ثوبه .. هو مسلم ناقص الإسلام ، وي?بذل الجهد والوقت ?ي إقناعه بهذه الممارسات ، وهذه الحركة تروع بالطبع عندما تعر? أن الأ?غاني كان له تلميذ لا يصلي بانتظام أو حتى يتسامح ?ي بعض الأمور .. ويستدلون  بذلك على أن الأ?غاني كان دجالا ! .. لأنه لا يمكن أن يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله .. وأوله بدأ بالمؤمنين العاك?ين الركع السجود .. وهذا صحيح .. ولن نقول إن أل?ا وخمسمائة سنة ومساحة قارتين ت?صلان بين أول هذا الأمر وآخره .. وإن ما بدأ بالإيمان الديني ، قد نما وتطور وتشعب ?أسبح يضم المسلم والمنتمي لغير دين الإسلام ، بل واللا منتمي لأي دين .. وأنه لابد من برنامج ينبع من الإسلام ، وين?ذه أساسا المسلمون المؤمنون الصادقون ، ولكنه برنامج يسع كل هؤلاء .. وما من حركة تعتمد على الدين ?ي منطلقها وسلوكها وإيمان أتباعها مثل الحركة الصهيونية ، ولكنها حركة سياسية بكل معنى الكلمة ، لم تبدأ على يد حاخامات ، ولا سيطر عليها الحاخامات ، بل إن سيطرة الكهنوت اليهودي ثلاثة آلا? سنة لم تنجح ?ي تحقيق ما حققته الحركة اليهودية السياسية ، المعرو?ة باسم الصهيونية ?ي أقل من مائة سنة ..

?هي حركة يهودية
واسمها يهودي
وبرنامجها يهودي

و?لس?تها ومبرراتها وشعاراتها مستمدة من الدين اليهودي ، وهي تعتمد بالدرجة الأولى على ” الإيمان اليهودي ” ولكنها حركة سياسية ناجحة لأنها استطاعت أن تطرح ذلك كله ?ي الصيغة الحضارية التي جندت تحت أعلامها اليهودي الملحد واليهودي المؤمن ..

ولكن يبدو أننا لا نريد أن نتعلم من إسرائيل إلا كراهية ال?لسطيني والحرص على إبادته ..!

ولو استطاع الأ?غاني أن يشكل المؤتمر الشرقي أو حتى الإسلامي ، من خلال الصيغة السياسية التي طرحها ، ولو وعى تلاميذه هذه الصيغة ، أو قل لو أخلصوا لها ، لربما تغير تاريخ الشرق ، ولوجد تلاميذ المؤتمر الصهيوني أندادا لهم .. ولكن ” هيرتزل ” ورثه غولدمان وبن جوريون ومناحم بيجن وكلهم التزموا بالصيغة الصهيونية .. اليهودية الحضارية .. اليهودية السياسية ..

أما الأ?غاني المسكين .. والعظيم ، ?إن بعض تلاميذه ?هموا الصيغة السياسية على أنها التخلي عن الإسلام ، كما ?عل سعد زغلول ، وسائر العلمانيين .. ولكن هؤلاء لم يصل ضررهم إلى ما سببه محمد عبده وداعيته رشيد رضا .. لأن ” الشيخ الإمام الم?تي ” .. لأسباب معرو?ة طلق السياسة ويسوس وساس .. إلى آخر القصة المعرو?ة ، ولم يكن أمامه إلا التشبث بالجانب الديني ?ي شكل بحوث ?قهية ومناقشات وحوار مع غير المسلمين .. الد?اع عن ” الإسلام ” بدلا من الد?اع عن ” المسلمين ” .. الجهاد ?ي الرد على ” المتكلمين ” ضد الإسلام ، عوضا عن الجهاد ضد الغازين المستعمرين لبلاد المسلمين .. وهذا هو ال?كر الذي بقي من الأ?غاني وكان من الطبيع أن يستمر التقلص والتحوصل ، وتظهر الطائ?ية ، والشكلية ، والمظهرية .. إلخ .

وبعكس الطابع العالمي لنشاط الأ?غاني واهتماماته ، نرى هذه الحركات الإسلامية عجزت حتى عن تشكيل حركة على المستوى العربي ، بل تعددت بتعدد الأقطار وحملت الكثير من بصمات المناخ السياسي والطائ?ي ?ي هذه الأقطار .. وهي إذا كانت لم تتخذ الشكل الطائ?ي ، ?إنها لم تنجح ?ي إلغائه ، بل سقطت ?ي أول جولة لها مع الطائ?يين .. وصحيح أن نشاط الأقليات الطائ?ية قد انتهى بإضعا? قدرة مجموع الأمة على المواجهة الحضارية ، بل أيضا أ?ضى إلى خسائر ?ادحة للطائ?ية ذاتها ن سواء بعزلتها عن الأغلبية ، وحركة التاريخ ، واتهامها بالخيانة والسلبية أو لأن العدو بعدما حقق غرضه من إثارتها وتحريضها ، لا يبالي بمصيرها ، بل يحاول التودد للأغلبية بالتنصل من طموحات هذه الأقلية وما تكون قد ارتكبته من أخطاء ?ي حق مواطنيها .. ?ي ظل غواية العدو وحمايته .
ومع ذلك ?لا يمكن تحميل كل اللوم لهذه الأقليات ، ما دامت الأغلبية جعلت الإسلام قضيتها الخاصة ، وسدت المنا?ذ أمام مشاركة هذه الأقليات ?ي تقرير مصير الوطن وتحرير الأمة .. أو أعطتها مكان ” المرتزقة ، كما ي?عل المودودي رحمة الله عليه !

وقد حدث ?ي أعقاب هزيمة 1967 مااصطلح على تسميته ” بالصحوة الإسلامية ” وكان الظن أن انتصارها سيكون ?ي الجانب العربي من الوطن الإسلامي ، بعدما انهارت النظريات القومية المعادية للدين أو التي تتخذ منه موق?ا سلبيا ، وعلى ضوء الانتصار ” اليهودي ” وبدا أن الصحوة تأخذ الصيغة الأ?غانية ، أي الإسلام السياسي ، من خلال عناصر لم تكن يوما ?ي ص?و? الحركات الدينية ، ولا يمكن إدراجها ?ي قائمة رجال الدين .. وهنا هبت القوى التقليدية ، تهاجم الأ?غاني ، وتهاجم الإسلام السياسي ، وتشكك ?ي إيمانه مستدلة بالمسلكيات الدينية ، ولحق بها العلمانيون المشبوهون يشككون ?ي إخلاصه السياسي ..

والهد? المت?ق عليه بدون ات?اق ولا سابق تلاق .. هو منع تبني صيغة الإسلام الحضاري ، الصيغة التي يقبل بها المواطنون على اختلا? أديانهم ومذاهبهم وأصولهم العرقية ، يقبلون الإسلام كهوية حضارية تجمعهم جميعا وتميزهم جميعا ?ي ن?س الوقت .

?هو التاريخ وهو الثقا?ة وهو بطاقة الهوية وهو الخيار الحضاري الوحيد .. ولكنها ليست صيغة دينية ?قهية .. لأنها كما قلنا تتسع لغير المسلمين وإن كانت تعتمد على الإيمان الإسلامي ، وستؤدي إلى تحرير وعزة الإسلام ..
( من كتاب : ودخلت الخيل الأزهر/ محمد جلال كشك /ط3/1990/ الزهراء للإعلام العربي /497-508)

أكتب تعليقاً